صديق الحسيني القنوجي البخاري

191

فتح البيان في مقاصد القرآن

دافِقٍ [ الطارق : 6 ] أي مدفوق فقد أسند إلى العيشة ما هو لصاحبها فكان ذلك من المجاز في الإسناد ، والعرب لا تعبر عن أكثر السعادات بأكثر من العيشة الراضية والمعتبر في كمال اللذة الرضا ، وقيل المعنى أنه لو كان للمعيشة عقل لرضيت لنفسها بحالتها . [ سورة الحاقة ( 69 ) : الآيات 22 إلى 34 ] فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 22 ) قُطُوفُها دانِيَةٌ ( 23 ) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ ( 24 ) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ( 25 ) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ ( 26 ) يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ ( 27 ) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ ( 28 ) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ( 29 ) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ( 30 ) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ( 31 ) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ ( 32 ) إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ( 33 ) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 34 ) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ أي مرتفعة المكان لأنها في السماء السابعة أو مرتفعة المنازل والمباني أو عظيمة في النفوس ، وهو خبر بعد خبر قُطُوفُها دانِيَةٌ القطوف جمع قطف بكسر القاف ما يقطف من الثمار بالفتح مصدر ، والقطاف بالفتح والكسر وقت القطف ، والمعنى أن ثمارها قريبة ممن يتناولها من قائم أو قاعد أو مضطجع أو متكئ ، عن البراء بن عازب دانية قريبة يتناول الرجل من فواكهها وهو قائم . كُلُوا وَاشْرَبُوا أي يقال لهم كلوا واشربوا في الجنة ، وجمع الضمير مراعاة للمعنى وهذا أمر امتنان لا أمر تكليف هَنِيئاً أي أكلا طيبا لذيذا وشربا هنيئا شهيا مريا لا تكدير فيه ولا تنغيص بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ أي بسبب ما قدمتم من الأعمال الصالحة في الدنيا ، وقال مجاهد هي أيام الصيام . وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ قيل تكون يده اليسرى خلف ظهره ثم يعطى كتابه بها وقيل تنزع يده اليسرى من صدره إلى خلف ظهره فَيَقُولُ حزنا كربا لما رأى فيه من سيئآته وسوء عاقبته التي كشف له عنها الغطاء يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ أي لم أعط كِتابِيَهْ لما يرى فيه من الفضائح وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ أي لم أدر أي شيء حسابي لأن كله عليه ، والاستفهام للتعظيم والتهويل ، أي بل استمريت جاهلا كذلك كما كنت في الدنيا . يا لَيْتَها أي ليت الموتة التي متها كانَتِ الْقاضِيَةَ ولم أحي بعدها ، ومعنى القاضية القاطعة للحياة ، والمعنى أنه تمنى دوام الموت وعدم البعث لما شاهد من سوء عمله ، وما يصير إليه العذاب فالضمير في « ليتها » يعود إلى الموتة التي قد كان ماتها وإن لم تكن مذكورة لأنها لظهورها كانت كالمذكورة . قال قتادة : تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء عنده أكره من الموت ، وشر من الموت ما يطلب منه الموت وقيل الضمير يعود إلى الحالة التي شاهدها عند